الشوكاني
205
فتح القدير
والوعيد ليفعلن كذا ، والمعنى : أنهم إذا انفردوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس ، وإذا لاقوا عدوا ذلوا وخضعوا وانهزموا ، وقيل المعنى أن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد ، وإنما ضعفهم بالنسبة إليكم لما قذف الله في قلوبهم من الرعب ، والأول أولى لقوله ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) فإنه يدل على أن اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن ، وهذا التخالف هو البأس الذي بينهم الموصوف بالشدة ، ومعنى شتى متفرقة ، قال مجاهد : يعنى اليهود والمنافقين تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى . وروى عنه أيضا أنه قال : المراد المنافقون . وقال الثوري : هم المشركون وأهل الكتاب . قال قتادة : تحسبهم جميعا : أي مجتمعين على أمر ورأى ، وقلوبهم شتى متفرقة ، فأهل الباطل مختلفة آراؤهم مختلفة شهادتهم مختلفة أهواؤهم ، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق . وقرأ ابن مسعود " وقلوبهم أشت " أي أشد اختلافا ( ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) أي ذلك الاختلاف والتشتت بسبب أنهم قوم لا يعقلون شيئا ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه ( كمثل الذين من قبلهم ) أي مثلهم كمثل الذين من قبلهم ، والمعنى : أن مثل المنافقين واليهود كمثل الذين من قبلهم من كفار المشركين ( قريبا ) يعنى في زمان قريب ، وانتصاب قريبا على الظرفية : أي يشبهونهم في زمن قريب ، وقيل العامل فيه ذاقوا : أي ذاقوا في زمن قريب ، ومعنى ( ذاقوا وبال أمرهم ) أي سوء عاقبة كفرهم في الدنيا بقتلهم يوم بدر ، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر ، قاله مجاهد وغيره ، وقيل المراد بنو النضير حيث أمكن الله منهم ، قاله قتادة . وقيل قتل بني قريظة ، قاله الضحاك . وقيل هو عام في كل من انتقم الله منه بسبب كفره ، والأول أولى ( ولهم عذاب أليم ) أي في الآخرة . ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا آخر فقال ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر ) أي مثلهم في تخاذلهم وعدم تناصرهم ، فهو إما خبر مبتدإ محذوف ، أو خبر آخر للمبتدأ المقدر قبل قوله ( كمثل الذين من قبلهم ) على تقدير حذف حرف العطف كما تقول : أنت عاقل ، أنت عالم ، أنت كريم . وقيل المثل الأول خاص باليهود ، والثاني خاص بالمنافقين ، وقيل المثل الثاني بيان للمثل الأول ، ثم بين سبحانه وجه الشبه فقال ( إذ قال للإنسان أكفر ) أي أغراه بالكفر وزينه له وحمله عليه ، والمراد بالإنسان هنا جنس من أطاع الشيطان من نوع الإنسان ، وقيل هو عابد كان في بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر فأطاعه ( فلما كفر قال إني برئ منك ) أي فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان ، وقبولا لتزيينه قال الشيطان إني برئ منك ، وهذا يكون منه يوم القيامة ، وجملة ( إني أخاف الله رب العالمين ) تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره ، وقيل المراد بالإنسان هنا أبو جهل ، والأول أولى . قال مجاهد : المراد بالإنسان هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم ، قيل وليس قول الشيطان ( إني أخاف الله ) على حقيقته ، إنما هو على وجه التبري من الإنسان فهو تأكيد لقوله ( إني برئ منك ) قرأ الجمهور " إني " بإسكان الياء . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتحها ( فكان عاقبتهما أنهما في النار ) قرأ الجمهور " عاقبتهما " بالنصب على أنه خبر كان ، واسمها أنهما في النار . وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد بالرفع على أنها اسم كان ، والخبر ما بعده ، والمعنى فكان عاقبة الشيطان وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار ( خالدين فيها ) قرأ الجمهور " خالدين " بالنصب على الحال ، وقرأ ابن مسعود والأعمش وزيد بن علي وابن أبي عبلة " خالدان " على أنه خبر أن والظرف متعلق به ( وذلك جزاء الظالمين ) أي الخلود في النار جزاء الظالمين ، ويدخل هؤلاء فيهم دخولا أوليا . ثم رجع سبحانه إلى خطاب المؤمنين بالموعظة الحسنة فقال ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) أي اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه ( ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) أي لتنظر أي شئ قدمت من الأعمال ليوم القيامة ، والعرب تكنى عن المستقبل بالغد ، وقيل ذكر الغد تنبيها على قرب الساعة ( واتقوا الله ) كرر الأمر بالتقوى للتأكيد ( إن الله